إعلانك هنا

فعاليات تربوية تنتقد “تضخيم” معدلات الحاصلين على شهادة البكالوريا‬

هالة إعلامية ترافق إعلان نتائج امتحانات البكالوريا السنوية، تدفع أغلب الأوساط التربوية والأسرية إلى التركيز على المعدلات التي تحصّل عليها التلاميذ النجباء، فيما لا تتمّ الإشادة بالحاصلين على نقط متوسطة، بدعوى أن الإطراء ينبغي أن ينحصر على التلاميذ المتميزين فقط.

 

وتناول عشرات الفاعلين التربويين الموضوع من زوايا متعددة، خلال اليومين الماضيين، لكن جلّ تلك المنشورات تتفق على وجوب إعادة النظر في السياسات التعليمية التي تشجع على حصد النقط فقط، دون التركيز على صقل المهارات الإبداعية وتنمية المدارك الفكرية.

 

ودعت الفعاليات عينها إلى إعادة النظر في “تضخيم” المعدلات التي تحدّد مستقبل التلاميذ، لافتة إلى أن شهادة البكالوريا تبقى مجرد خطوة أولية في مسار التلميذ الذي يصبح بعدها طالباً في الجامعة، التي تكون فرصةً لتطوير الذات والبحث عن آفاق مهنية أرحب.

معضلات التربية والتكوين

في هذا الإطار قال كريم إسكلا، فاعل تربوي، إنه “من الضروري عدم السقوط في حصر كل مجهود وأداء التلميذ في المعدل الدراسي، إذ إن الهالة التي تحاط بالنقط تكاد تفقد منظومة التربية والتكوين جوهرها، وهو بناء إنسان ناجح كذات متفردة متكيفة في حياتها الخاصة والأسرية والنفسية، وليس بمعيار رقم يُمنح بعد مسار دراسي”.

 

وأضاف إسكلا أن “الهدف في نهاية المطاف يتمثل في إنتاج مواطن مندمج اجتماعيا بشكل إيجابي بمعزل عن الفروق الفردية، في وقت أمسى الهاجس هو الوصول إلى نقط التميز، والتغاضي عن المحتوى والكيفية والطريقة، وكذا عن منظومة القيم التي لا يتم أخذها بعين الاعتبار في أداء الأفراد”.

 

وأوضح الباحث، ضمن تصريح لجريدة الإلكترونية، أن “التقييم، باعتباره منحا للنقطة والقرار، يشكل إحدى أكبر معضلات منظومة التربية والتكوين، أولا على مستوى مفهومه وتمثلاتنا نحوه، وثانياً على مستوى آلياته وأدواته، إذ من الطبيعي أن تكون هناك آليات للتصنيف والترتيب، والحكم على أداء الفرد في مرحلة ما لمنحه إشهادا يؤهله لمراحل متقدمة في مساره الدراسي أو التكويني، أو يوجهه نحو مسار معين دون غيره”.

 

“عقدة منح النقاط”

وتابع إسكلا: “لهذا من الضروري أن تتصف أدوات التقييم والتقويم بالصدق، بحيث تقيس فعلا ما وضعت لقياسه، ويجب أن تتصف كذلك بالثبات بحيث لا تتغير النتائج المحصلة إذا أُجري الاختبار ذاته في الظروف نفسها، إلى جانب الاتصاف بالموضوعية، بحيث لا تتأثر بالأحكام الذاتية للمقوِّم، لكن أيضا بالحساسية التمييزية لتمنح إمكانية الترتيب”.

 

وأبرز المتحدث ذاته أن “تلك الشروط تزداد صعوبتها بالخصوص في تقييم المواد الأدبية، حيث تتدخل ذاتية المقوم بشكل كبير؛ وبالتالي يكون هامش الارتياب كبيرا”، وزاد: “لتحري الدقة أكثر وُضعت درجات ومستويات يتم فيها التقويم أولا من خلال المراقبة المستمرة، ثم الامتحانات المحلية والإقليمية، ثم الامتحانات الوطنية”.

 

ولفت الباحث التربوي إلى أن “عقدة منح النقاط” تترسخ لدى العديد من رجال ونساء التربية والتكوين، بسبب الفهم المغلوط للتقييم والتقويم، مردفا: “مازال الكثير من الأساتذة يقْسِمون على استحالة منح نقطة أعلى من 18 أو 19، ويقْسمون بأغلظ الإيمان على عدم منح نقطة 20 مهما فعل التلميذ، ومهما كانت إجابته”.

 

وأكد المتتبع للحقل التعليمي أن استحالة منح نقطة 20 تكون حتى في الامتحان الذي على شاكلةQCM ، حيث يتعمّد الأساتذة في الأخير وضع سؤال مفتوح كي يكون لديهم هامش لاقتطاع نقطة أو نصف نقطة، أو أن تخصص نقطة لتنظيم الورقة والخط، فيفتح هامش للتأويل، إما خوفا من الاتهام بـ”السخاء المفرط” في التنقيط، أو خوفا من استفسارات الإدارة والمفتشين، بتعبيره.

 

منطق التقدير الانطباعي

واستطرد إسكلا: “المصيبة تتعاظم في المواد الأدبية، فَهي تظل ما قبل القرون الوسطى في ما يخص مفهوم التقييم، حيث يعتقد بعض الأساتذة أن منح 10/10 ينقص من قيمتهم. لكن المصيبة الأعظم أن تحضر هذه العقلية لدى المكونين بمراكز التكوين. ولا يعني كلامنا هذا أن تمنح النقاط على عواهنها، لكن أن نتخلص من عقلية ‘عقدة النقطة 10/10’، لأنه يجب علينا التخلص من الفهم التقليدي للتقويم كأطر إدارية وتربوية، خاصة في التعامل مع المواد الأدبية”.

 

ومضى المتحدث عينه شارحا: “يصر البعض على اعتماد منطق التقدير الانطباعي فقط، عوض التقييم ومنح النقطة حسب سلم تنقيط واضح ودقيق؛ وبالتالي من الضروري التخلص من عقدة الخوف من منح النقط المرتفعة للمواد الأدبية، إذ مازال بعض رجال ونساء التربية يرفضون مثلا أن تمنح نقطة 20 في امتحانات اللغات والفلسفة والاجتماعيات والتربية، حتى وإن استجابة إجابات المتعلمين لشروط سلم التنقيط؛ والكارثة تتعاظم في التعليم الجامعي”.

 

وخلص المصرّح إلى أن “التقييم يطرح إشكالا آخر يتعلق بمعاملات المواد، التي يكرس تفاوتها تمثلات ومواقف سلبية تجاه مواد وشعب دون غيرها، بينما تمنح أفضلية لمواد وتخصصات بعينها”، خاتما: “مفهوم ‘المعدل العام’ تجب إعادة النظر فيه، ولا أعتقد أنه يجب التصنيف على أساسه، لأنه يحسب متوسط قيم مختلفة وحدة القياس أصلا؛ ومن ثمّ يجب أن تكون معاملات المواد متساوية، ليبقى تحديدها مرتبطا بالمؤسسات التعليمية أو التكوينية أو المهنية المستقبِلة حسب تخصصاتها وحاجياتها”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى